ابن حزم

479

الاحكام

واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) * . قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، لأنه كل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فالله عز وجل هو المثبت له ، وهو تعالى الماحي به لما شاء أن يمحو من أوامره ، وكل من عند الله ، وهذه الآية حجة لنا عليهم في أنه تعالى يمحو ما شاء بما شاء عن العموم ، ويدخل في ذلك السنة والقرآن . واحتجوا أيضا بقوله تعالى : * ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) * قالوا : والمبين لا يكون ناسخا . قال أبو محمد : وهذا خطأ من وجهين ، أحدهما : ما قد بينا في أول الكلام في النسخ ، من أن النسخ نوع من أنواع البيان ، لأنه بيان ارتفاع الامر المنسوخ ، وبيان إثبات الامر الناسخ ، والثاني : أن قولهم : إن المبين لا يكون ناسخا دعوى لا دليل عليها ، وكل دعوى تعرت من برهان فهي فاسدة ساقطة . واحتجوا بقوله تعالى : * ( وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل ) * . قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، لأنه لم يقل تعالى : إني لا أبدل آية إلا مكان آية ، وإنما قال لنا : إنه يبدل آية مكان آية ، ونحن لم ننكر بل أثبتناه ، وقلنا : إنه يبدل آية ، ويفعل أيضا غير ذلك ، وهو تبديل وحي غير ذلك ، متلو مكان آية ، ببراهين أخر ، وكل ما أبطلنا به أقوالهم الفاسدة في دليل الخطاب ، فهو مبطل لاحتجاجهم بهذه الآية . واحتجوا بقوله تعالى : * ( ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضى إليك وحيه ) * قالوا : فإذا منعه الله تعالى من أن يبين القرآن من قبل أن يقضي إليه وحيه ، فهو من نسخه أشد منعا . قال أبو محمد : وهذا شغب وتمويه ، لأننا لم نجز قط أن يكون الرسول عليه السلام ينسخ الآيات من القرآن قبل أن يقضى إليه وحي نسخها ، وقائل ذلك عندنا كافر ، وإنما قلنا : إنه عليه السلام إذا قضى إليه ربه تعالى وحيا غير متلو بنسخ آية ، أبداه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس حينئذ بكلامه ، فكان سنة مبلغة وشريعة لازمة ووحيا منقولا ، ولا يضره أن يسمى قرآنا ولا يكتب في المصحف ، كما لم يضر ذلك سائر الشرائع التي ثبتت بالسنة ، ولا بيان لها